منتديات مجموعة مدارس أولاد بلقاسم

الأديان والحوار الحضاري

اذهب الى الأسفل

الأديان والحوار الحضاري

مُساهمة من طرف sadraoui1 في الخميس 13 أغسطس 2009 - 16:19

الأديان والحوار الحضاري


* كل يوم تزداد الطائفية ويستقطب التفسير الظاهري للدين أغلب الناس، ومعه يزداد تحمس الشباب لتطبيق مفاهيم من مثل الحاكمية والجهاد والخروج على المجتمع.. فهل هذا يعني أن المشروع الإصلاحي والوحدوي العربي-الإسلامي فشل وأن المجتمع بدأ حالة الفوضى؟

** أعتقد العكس، داخل العالم الإسلامي مفاهيم مثل الجهاد والحاكمية والخروج عن المجتمع ليست ذات استقطاب كبير، وإن كانت موجودة بأقدار مختلفة في هذا البلد أو ذالك، وهذه الحركات لا تقود مشروع الإصلاح وإنما تقوده حركات أخرى تؤمن بالحرية والديمقراطية والحقوق والمشاركين وما إلى ذلك. ورغم ذلك أنا أقول هناك طائفية من نوع آخر ليست بالضرورة جهادية قتالية ونصية ظاهرية وإنما «طائفية فكرية» حتى وإذا كانت اجتهادية، أي تلك التي تجتهد لنفسها وكيانها ونظامها وتحصر عالم وجودها في شرعيتها ومحيطها، تتحرك بنفس الفئة والطائفة وليس بنفس الأمة وإن حملت همومها. فلا تشتغل مثلا على إعادة بناء مداخل الوحدة والتوحد بين الأمة فكرا وثقافة وعقيدة وسلوكا وقيما حضارية، أو النهوض بفكر الأمة بما يجعله مواكبا ومستوعبا للتحديات، فعالمها وعملها إصلاحي ميداني في الغالب.

* يتساءل البعض عن علاقة أحداث العنف في العالم المعاصر بالأديان السماوية، فكيف تنظرون إلى هذه المسألة؟

** الأصل في الأديان نبذ العنف لا تشريعه، وتهذيب وتشذيب سلوك الإنسان العدواني وردع وزجر نوازعه الأنانية، بما يجعله صالحا في نفسه ومصلحا في مجتمعه، أي أداة بناء وتعمير لا أداة هدم وتدمير. فالعدوان إذن من الإنسان لا من الأديان، ومن نسب شيئا من ذلك إلى الدين فبما حرفه وبدله هذا الإنسان من الدين، أو بما فهمه فهما سيئا من الدين. فالقرآن والسنة مثلا لم يشرعا القتال إلا دفاعا عن النفس أو ردا لعدوان وليس كما يفهم البعض اعتمادا على فهم لا أساس له تحت راية آية اسمها «آية السيف» تجب كثيرا من الحقوق والحريات والأخلاق التي هي عماد الدين.ولو تكاملت الأديان فعلا في دائرة ما هو مشترك بينها وهو كثير وعلى رأسه تحريم القتل، لصينت دماء كثيرة من الهدر.

* يتخوف المسلمون من خوض تجربة المشاركة في العولمة، فهل هذا الخوف نابع مما تحمله العولمة من منظومة قيم، ولماذا يطرح مفهوم العالمية بديلا؟

** الأمة وهي في حال الضعف تدخل شاءت أم أبت العولمة من أسوأ أبوابها، أي كونها مستهلكة ومتلقية ومتأثرة بكل منتوجات العولمة صناعية وفكرية وفنية... وغيرها، لذا فمن موقع الضعف ليس لها خيار، لذا فمن يناقش الدخول من عدمه كمن ينتظر قطارا ارتحل منذ ساعات.

أما العالمية فهذا مفهوم لم ينل حظه من البناء الفلسفي بما يجعله كليا شموليا مستوعبا استيعاب الرسالة التي تؤطره. فضمر هذا المفهوم أمام سيادة مفاهيم معارضة [فرقة، طائفة، مذهب، حزب، جماعة..]، أي تلك التي تتمركز حول الذات ولا تنفتح على العالم، فلو استطاع المسلمون تقديم مفهوم العالمية للناس بالشكل الذي يسعهم، وبالقيم التي تعتبر كينونتهم لكانت خير بديل عن تسلط وهيمنة العولمة الآن.

* كانت المركزية الحضارية قائمة في الشرق العربي، وكان الفقهاء يقسمون العالم إلى دار كفر (دار إيمان، ودار سلام) دار حرب، اليوم عادت المركزية للغرب، فلماذا نؤاخذهم في المقابل على التصنيف الذي يتداولونه من مثل الغرب والشرق، الجنوب والشمال..؟

** التقسيم الفقهي التاريخي لدار الحرب ودار الهجرة ودار السلم، أو دار الكفر ودار الإيمان.. كان محكوما بسياق تاريخي، عندما لم تكن للمسلمين إلا دار واحدة هي دار سلمهم وإيمانهم وأمنهم، أي تلك التي يتواجدون فيها وكان خروجهم منها خروج إلى عدوهم أو إلى حيث ينعدم أمنهم وسلمهم، وهذا التقسيم تم تجاوزه تاريخيا ولا مبرر لوجوده ما دام المسلمون في كل العالم آمنين سالمين ربما في ديار غيرهم أكثر من ديارهم، والعكس صحيح كذلك، أي وجود الغربيين كذلك في كل بقعة من العالم، فمفهوم المواطنة الآن مستوعب وإجرائي أكثر من أي مفهوم آخر ولا مبرر لا للذات ولا للغير بتصنيفات عرقية أو استعمارية.

* يكثر الحديث عن تبيئة المفاهيم الوافدة إلى الثقافة العربية-الإسلامية، أفلا يمكن إبداع مفاهيم ترتبط بجغرافيتنا وتجربتنا الثقافية؟

** الأصل هو لإبداع المفاهيم من صميم التجربة والتاريخ والهوية والثقافة بكل ما تحمله من غنى وتعدد وقيم إنسانية تشاركية، لكن أيضا لا بد من التعامل الإيجابي مع المفاهيم الأخرى والتي تفد من كيانات حضارية أخرى، وهو تعامل يقوم على أساس الفحص والمراجعة التي يسميها البعض: تبيئة أو دمجا واستيعابا أو تقريبا أو غير ذلك، وكلها عبارات تشير إلى ما ينبغي فعله تجاه هذه المفاهيم -إن اقتضى الأمر- من إعادة بنائها رؤية وتصورا أو إجرائية وظيفية بما يجعل دورها بنائيا لا إلحاقيا، وهنالك مقترح طريف لو كانت القدرة عليه وهو إعادة التسمية من داخل المعجم العربي بدل الترجمة الميكانيكية أو التعريف غير الوظيفي.

في الحداثة وما بعدها


* أسئلة الحداثة وما بعدها مرتبطة بالقلق المعرفي/الفلسفي والأنطولوجي الغربي، أي أنها نتاج سياق تاريخي معين، فهل من الطبيعي أن يستورد المفهوم ويوظف بدون سياقه الطبيعي وبيئته؟

** صحيح أن المفاهيم تبقى مرتبطة بمجالها التداولي الأول لكن يمكن إعادة بنائها من جديد والإفادة من الهوامش الكثيرة التي تسمح بها. أما أن يوظف المفهوم كما هو بكل حمولته الدلالية فهذا يقتضي أن تكون هذه الحمولة على قدم كبير من الحياد، والحال أن كثيرا من المفاهيم ليست كذلك.

ومفهوم الحداثة حمل من القيم الغربية الشيء الكثير، وحمل مما هو سلبي الشيء الكثير كذلك «النزعة الفردانية والحرية المطلقة، والعقلانية الأداتية، وتحطيم وتجاوز المقدسات والمطلقات والقيم والأخلاق... إلخ»، وليست هذه قيما صالحة للبشرية كلها، ولهذا يمكن الاشتغال على مفهوم الحداثة أكثر نقدا وإعادة توجيه لتغليب القيم الإيجابية على السلبية كما يفعل نقاد غربيون كثيرون.

* ما هي إشكالية الحداثة مع الفكر الإسلامي؟

** إشكالية الحداثة مع الفكر الإسلامي جزء من إشكالية الفكر الغربي والحضارة الغربية مع الفكر أو الحضارة الإسلامية، حيث كان الاحتكاك والاتصال بين النموذجين حربيا لا سلميا في الغالب.

لهذا فالوجه الشرس الذي قدم به الغرب نفسه للعالم الإسلامي حجب وجهه الحضاري وأسس لنزعة الرفض له، فكان كل ما يأتي منه موسوما بالكفر والإلحاد والصليبية ولو حمل قيما إيجابية. ولاتزال هذه النظرة مهيمنة إلى الآن على تيارات فكرية كثيرة ترفض بالجملة، كما توجد تيارات فكرية تقبل بالجملة، ولم نستطع بعد تقوية، لا أقول التوفيقي أو التلفيقي القائم على أساس الجمع الانتقائي بدون رؤية، ولكن أقول الاتجاه البنائي الاستيعابي الذي يبني نموذجه ويستوعب فيه نموذج الغير.

* هل صحيح أن الحداثة لا تقوم إلا على أنقاض الفكر التوحيدي؟

** ليست هنالك علاقة ضدية ولا ندية بين الحداثة والتوحيد. بل التوحيد له تجليات حضارية واجتماعية ثقافية وسياسية، أي هو بعد بنائي يعكس وحدة الخلق والخالق، فالأصل في الثقافة الإسلامية أن يكون التوحيد حافزا على التحديث والتنمية لا مانعا لهما، لكن لسوء فهم هذا الأصل وعدم إدراك تجلياته الاستيعابية جعل وكأنه خصم لكل أشكال المعاصرة والإبداع، من جهة أخرى قدمت الحداثة الغربية نفسها، للأسف، خصما للدين قاطعة مع كل ماض قديم، أو قل ثورة على القيم والأخلاق والتدين والمقدسات، وهذه خصومة غير حقيقية صنعها الإنسان وبإمكانه تجاوزها إذا فهم الدين فهما تجديديا مطردا وفهم التحديث والتنمية فهما تأصيليا أو قل تخليقيا مطردا كذلك.

حاوره: يوسف محمد بناصر

المصدر: العرب
2008/6/24

sadraoui1
عضو نشيط
عضو نشيط

عدد المساهمات : 66
نقاط : 29066
السٌّمعَة : 16
تاريخ التسجيل : 16/07/2009
العمر : 40

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى