منتديات مجموعة مدارس أولاد بلقاسم

قضايا التجديد والاجتهاد في الفكر العربي والإسلامي المعاصر: الرؤية والمنهج والنموذج

اذهب الى الأسفل

قضايا التجديد والاجتهاد في الفكر العربي والإسلامي المعاصر: الرؤية والمنهج والنموذج

مُساهمة من طرف sadraoui في الأحد 27 سبتمبر 2009 - 19:03

- في معنى التجديد والاجتهاد والحاجة إليهما
لا نحتاج لإنتاج في هذه الورقة إلى تتبع أصول كل من التجديد والاجتهاد اللغوية والشرعية، في معاجم اللغة ومصادر الدين. لكننا نحتاج إلى توظيف بعض الخلاصات بعد النظر في هذه المصادر، وإلى بعض المراجعات للفكر الذي أنجز حولهما واستقر بفعل التداول التاريخي وهيمنة حركة الجمود والتقليد حتى غدا من المسلمات، كمسلمات الدين نفسه. أولى هذه الخلاصات:- الاستيعاب والشمول في مفهومي الاجتهاد والتجديد كما تعرضه أصول الدين قرأنا وسنة. مما ينسجم مع خصائص رسالة الختم الكونية الممتدة في الزمان والمكان، وحيث ينبغي لمظاهر التدين أن تتجدد باستمرار وللأجيال أن تجتهد باستمرار. ولهذا فالقرآن والسنة يعرضان الإجتهاد عرضا شاملا مستوعبا، ففي القرآن وإن لم ترد لفظة " الاجتهاد" فقد ورد أصلها الذي هو بذل الجهد، مطلق الجهد، والذي منه كذلك الجهاد. فبذل الجهد واستفراغ الوسع مطلب شرعي دائم في كل أحوال الإنسان العادية والعبادية وكلها تدين ودين. وهذا مؤشر صحة وعافية على حركة الفرد والمجتمع والأمة، ترصد به درجة الفاعلية والعطاء ولهذا كان الصدرالأول أكثر تجاوبا وتفاعلا مع هذا الأصل، ومن تم كان أكثر عطاء وفاعلية وإنجازا في الميادين كلها. فكان الفرد المجتهد وكانت الأمة المجتهدة. أي أن الاجتهاد كان حركة أمة وأفراد. ومثل ذلك التجديد. فكما نص الحديث " يجدد لها دينها"، والدين منهاج حياة لتحقيق التدين، فلا يقصر على جانب دون آخر، ويكون مستوعبا استيعاب الدين نفسه للإنسان والكائنات والوجود كله. باعتباره – بعبارة "المسيري" مرجعية متجاوزة.
ثاني هذه الخلاصات، أن التداول التاريخي للمفهومين للأسف سحب عنهما هذه الخاصية. خاصية الشمول والاستيعاب، وأدخلهما في دوائر ضيقة من التعريف أملتها ظروف تاريخية صرفة أملت على معاصريها وجهات نظر في الفهم والتعريف. وكي لا نصادر منذ البداية على هذه التعريفات لكونها – أو بعضها على الأرجح – تستند إلى نصوص، نقول: إن الحديث الصحيح "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" لا ينافي مطلق بذل الجهد والاجتهاد. لأن هذا اجتهاد في استنباط أحكام له شروطه ورجاله كما دل على ذلك قوله تعالى: "لعلمه الذين يستنبطونه منهم".فهو اجتهاد خاص لا ينافي الاجتهاد العام. بل كلاهما يسند الآخر ويعضده. أما أن يختزل هذا الأصل الكلي في مبحث من مباحث الأصول ويتحول إلى عنوان لعمل تقوم به طائفة محدودة. فهذا سحب لفاعلية الأمة وتكريس لمنطق التبعية والجمود والتعصب، وهذا الذي حدث بالفعل لما طرأت على الأمة المذاهب والفرق والشيع، وتحول التدين إلى الانتصار إلى آراء وأقوال حلت محل الدين، وانقطع المجتهدون في الأمة، أو قل حوصروا وضيق عليهم، حتى " لم يبق في الأمة قائم لله بالحجة" كما قيل.
ومثل هذا يصدق على التجديد كذلك، حيث عرف تعريفات اختزالية جعلته إحياء لما مات من السنن. وإن كنا لا ننكر أن يكون هذا العمل من مهام المجدد، لكن أصل التجديد يبقى أوسع في استيعابه لحركة التاريخ كلها، استيعاب الدين لها.
ولهذا فالتجديد والاجتهاد هما عمل بنائي استئنافي مستمر لا ينقطع لا ينكر جهود السابقين لكنه أيضا لا يحجر على عقول اللاحقين حتى يحققوا كسبهم فـ " تلك امة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم".
كما أن حركة التجديد والاجتهاد حركة تشمل تعريف وتكليف الإنسان الفرد في حياته وفي علاقته بالجماعة وعلاقة هذه الجماعة (الأمة) بغيرها من الأمم وبالكون المحيط حولها. بسننه ونواميسه. ولهذا فهي حركة تعريفية تركيبية تتجاوز كل مظاهر التبسيط والاختزال المدرسي والطائفي والفرقي. لأنها النصوص نفسها تتجدد بتجدد الفهم لها بما يتيحه كل زمان ومكان من معارف وعلوم واجتهادات.
حاجة عصرنا لإحياء هذين الأصلين أكبر من حاجة أي عصر سابق، فالأمة في حالة انهيار الآن لم تكن عليها قط في تاريخ سابق. ولا حتى في حروبها مع المغول والتتار، حيث كانت تسقط قلاع وتبقى أخرى محصنة، فشمولية الانهيار تستدعي شمولية في التغيير. وهو ما يقتضي بدوره إحياء لمفهومي الاجتهاد والتجديد بمعناهما المستوعب الشامل وان لا أحد معذور في الأمة بحجة أو ذريعة. وأول مداخل هذا التغيير، تغيير الفهم لهذين الأصليين، وإعادة بناء فكر وثقافة الأمة على أسس غير طائفية ولا مذهبية. تكون مرجعيتها نصوص الوحي الملهم والمسدد وليس حروب وتطاحنات التاريخ. فلا بد من اجتهاد تحريري للفكر يعيد للأمة صلتها بأصولها ويحدد لها دورها في التاريخ ويزودها بالرؤى والمناهج والنماذج التي تحتاجها في مسيرتها. دون أن يعني هذا إلغاء لمظاهر التعدد والتنوع التي زخرت بها ثقافيا وحضاريا، لكن أن يحكم ذلك كله بنواظم تجعله تكاملا لا تقابلا وتميزا لا تحيزا وسلما وتسامحا لا احترابا وتقاتلا.
- في أطروحات التجديد المعاصرة والإخفاقات المتكررة
لم يغلق باب الاجتهاد قط، وإنما الذي انغلق هو عقول وأذهان جمهور من المقلدين والمتعصبين الجامدين على النقول والأقوال مهما ضعفت وكانت مرجوحة. وإن كان هذا التيار العام الذي ساد ولا يزال طيلة عصور الانحطاط في الأمة، فإن استثناءات كثيرة شذت عن هذا الاطراد وعبرت بين الفينة والأخرى عن ضرورة هذا الأصل وحيويته، وبذلت بالفعل جهدها وخاضت معارك مع محيط الجمود والاستبداد. بدءا بالخليفة عمر بن عبد العزيز إلى جمال الدين الأفغاني، مرورا بالشافعي والغزالي وابن حزم وابن رشد وابن تيمية وابن القيم وابن خلدون والشوكاني وغيرهم.
لكن تعطل هذه الجهود الإصلاحية التجديدية كما يرجع إلى هيمنة مظاهر الجمود والتقليد على فكر وثقافة الأمة، وإلى الاختلاف والتشرذم والانقسام الطافي والمذهبي والفرقي ومظاهر الاستبداد والجور وقمع الحريات. يرجع كذلك – وخصوصا في عصرنا الحديث – إلى عدم توحد وتجانس رؤى الإصلاح والتغيير، وكونها محكومة بمرجعيات تمتد من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. ولا شك أن الاستعمار الحديث قد أسهم في هذه التجزئة بشكل أساسي، فقد قدم نفسه بصورتين مختلفتين تماما، إحداهما تعكس وجهه "الحسن" في الحضارة والنظم والحقوق والحريات.. ونماذج الإغراء المختلفة التي تؤطرها منظومة الاستهلاك العلمانية المادية. وهذه أسست لكل مظاهر التبعية والاستلاب لنماذجه ونظمه وأنماطه وللاغتراب في زمانه ومكانه. والثانية تعكس وجهه البشع في النهب والسلب والتدمير للمقدرات المادية والمعنوية في الأمة.. وهذا أسس لكل مظاهر المفاصلة والرفض والمقاومة. ونزعت طائفة نحو التوفيق بين المظهرين، بمنهج انتقائي يقوم على قبول أشياء ورفض أخرى.
لا يختلف إذن حاضر الأمة عن ماضيها من حيث الانقسام والاختلاف من غير نواظم جامعة وسقف موحد. والذي اختلف أسماء ومسميات في الفرق والأحزاب والاتجاهات. فهناك خط ليبرالي علماني في التغيير وآخر عروبي قومي وثالث يساري شيوعي أو اشتراكي ورابع إسلامي تجديدي أو محافظ... وداخل كل خط خطوط تمتد يمينا ووسطا ويسارا. والخطاب حول هذه الاتجاهات، بغض النظر عن حجم التمثيلية التي هي لصالح الخطاب الإسلامي الآن من غير منازع، هو خطاب حجاجي قائم على التدافع الميداني الجزئي، يتغذى من الخلاف ولا يبتعد كثيرا عن منهج المقارنات والمقاربات الذي ساد عند "رواد النهضة الأوائل".. يحتمي بمرجعيات لرفض أخرى وبمقولات لنقض أخرى... إلخ. وحتى الاتجاهات التي تسعى إلى تبني خيار ذاتي قائم على إصلاح منظومة الفكر لا تلبث أن تجتالها حسابات السياسة أو مصالح فئوية تماما كما حدث لمشاريع النهوض السابقة.
تزخر المكتبات العربية الآن بمشاريع تجديدية كثيرة تعكس للأسف توجهات أصحابها وميولاتهم أكثر مما تعكس هموم الأمة وواقعها، يثبتون فيها ما يريدون لا ما هو واقع، ولهذا آل معظمها إلى زاوية الظل ولم يلق التفاعل ولا الاستجابة المطلوبين لعدم ارتباطه بالقضايا والهموم والمشكلات الحقيقية للأمة كما هي لا كما يريدونها. هي قراءات لواقع آخر هو الواقع الغربي في تاريخه وتجاربه وصراعاته وتحولاته، وكان التاريخ امتداد نمطي سكوني وقوالب جاهزة تصدق على الغرب وعلى الشرق، شمالا وجنوبا، بحيث تذوب كل الخصوصيات والمميزات والفوارق. هي في كلمة قراءات – في معظمها مرة أخرى – تكرارية تقليدية لا تختلف عن نموذج الجمود والتقليد المذهبي التاريخي في شيء.
إننا بحاجة إلى اجتهاد وتجديد إبداعي إنشائي استئنافي للجهود السابقة، فلم تسعف الأمة خيارات الرفض ولا القبول ولا التوفيق ولا المقارنة... لأنها تقع خارج كيانها النسقي المرجعي. أي خارج الرؤية الكلية التي تحدد جميع أجزائها وفروعها، وتربطها إلى خصائصها ومقوماتها. فالتجربة بنماذجها ومناهجها ومعارفها ينبغي أن تولد كلا لا جزءا بحركة دفع ومخاض (اجتهاد) من رحم المرجعية. المرجعية المتجاوزة التي تمنحها آفاقا أرحب وأوسع في التفاعل والعطاء والتكامل، وأغنى في التنوع والتعدد، وأعدل في الحقوق والحريات. أننا باختصار بحاجة إلى منهاج بنائي جديد للعلوم والمعارف المغذية للفكر والثقافة لصوغ خيارات تستند إلى الأصول المؤسسة في استيعابها وشموليتها لا إلى تجارب تاريخية تعكس تحيزات أصحابها أو خصوصياتهم المدرسية.
- الدكتور المسيري شاهد تجديدي
لا أزعم بعد هذا الذي تقدم معناه، أن اختيار الدكتور المسيري هو بديل أو استثناء عن الحالة التي وصفنا جزءا يسيرا منها، وأن مشروعه قد سلم من الآفات التي ذكرنا. لكن أستطيع أن أزعم أنه من البعض الذي بذل جهدا من أجل التحرر والتحرير الفكري والذي خاض تجربة تجديدية استغرقت مرحلة عطائه كلها. وبما أننا لسنا في مقام مدح أو إطراء، فيكفي أن نذكر من مميزات هذا الفكر: أنه ينحو إلى الإبداع والتجديد في كل شيء في أسمائه وموضوعاته وتحليله ونقده. انه يسعى إلى الشمول والاستيعاب والتجريد في رصد المظاهر والتحديات بحجم شمولها واستيعابها لمختلف مناحي حياتنا.
أنه يبحث بعصامية وعمق وتدقيق في الظواهر والنماذج المدروسة ويطرح ويؤسس لبدائل حضارية وثقافية وجمالية وعمرانية وغيرها. انه يحرص على تحريك العقل وبث روح الإبداع والفاعلية فيه. أنه يرفض النمطية والتقليد والانحباس والسكون. أنه يؤطر أعماله برؤية كلية للذات والآخر تكاد لا تتخلف في كل الموضوعات التي يطرقها، خاصة تلك المتعلقة بالإنسان ونزعات تشييئه أو تطبيعه... أنه شديد النفور والهروب من أن تجتاله السياسة أو مصالح فئوية... أنه مستحضر دائما لهموم الأمة وصراعها وتخلفها...
هذه بعض من الخصال والمزايا الفكرية لا يملك قارئ لفكر المسيري إلا التسليم بها. قد يقال أغلب أو كل الباحثين يشتركون في ذلك. نقول، قد يصح هذا نظريا، لكن عمليا هذا نادر جدا، وهو عند د. المسيري متحقق إلى درجة كبيرة وهذا الذي يجعلنا نعتبره شاهدا تجديديا.
ولو أردنا اختصارا لمشروع المسيري في عنوانين كبيرين لوجدناه ينصب أولا على نقد الفلسفة المادية الواحدية والامبريالية العلمانية الشاملة التي تقود حضارة الغرب السائلة الآن (ما بعد الحداثة) حيث المراحل القصوى لتفكيك الكائن البشري وإدخاله دوامة العدمية واللامعنى والدمار النفسى والمادي، كاشفا عن كثير من تجليات هذا النموذج في مجالات وحقول مختلفة. وهذا ما نجد تفسيرا وتفصيلا له في أعمال مثل " إشكالية التحيز" و"العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة" و" الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان" والكتب التي في معناها..
ينصب مشروعه ثانيا على قضية المسلمين الأولى لكن من زاوية رصد مختلفة تعرف بالعدو الإسرائيلي وحركة الاستيطان واليهودية في تواريخها وجماعاتها والصهيونية الاستعمارية وكل ما يتعلق بهذا الكيان وبالحضارة الغربية الممجدة للقوة التي أنجبته وأنجبت ظواهر أخرى معه، كالنازية والفاشية وغيرها من النظم الكليانية. وهذا ما حوته " موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية"(*) الفريدة بحق في بابها، وبعض الكتابات الدائرة حولها والمواكبة لحركة المقاومة والتحرير على أرض فلسطين والمبشرة بزوال الكيان الاستيطاني الصهيوني.
إن د. المسيري ينحاز إلى مفهوم الأمة باعتبار نسقا وكيانا منفتحا وإلى إنسانها باعتباره امتدادا للإنسان حيث كان، بما في ذلك إنسان الحضارة الغربية، ومن تم فهو شديد النقد لكل محاولات تسويته بالطبيعة واختزاله في جزء أو عنصر من ذاته بإلغاء كينونته وكرامته ووجوده وطموحه وكل شيء معنوي فيه.
وهذه عينها القيم الإسلامية التي جاء الإسلام يكفلها للإنسان ويميزه بها كإنسان.
وسنزيد هذا الأمر توضيحا من خلال حديثنا عن رؤية الكاتب وعن نماذجه وعن منهجه باعتبارها زوايا نظر متكاملة تعكس حقيقة إنسانية وكونية واحدة.
- الرؤية وفلسفة التركيب والاستيعاب
الرؤية إطار مرجعي مؤطر، تمنح صاحبها القدرة على استشراف الأحداث والوقائع ووضعها مواضعها. كما تمنحه القدرة على التفسير والتشخيص وعلى التفريع عنهما. ولهذا فمن لا يملك رؤية لا تجد فيما يكتب وحدة ولا نسقية ولا ترابطا ولا إطارا كليا مستوعبا ترجع إليه الوحدات الجزئية. إنها باختصار وصفك وتحليلك ونقدك للأحداث الماضية والحاضرة والمستقبلية كأنك تراها لشدة وعبك بها وإدراكك لها.
هذا ما نحسبه متوفرا بشكل كبير عند الدكتور المسيري. فهو يحدد منذ البداية منطلقات الصراع، باعتباره صراعا دائرا بين مرجعيتن. "المرجعية المتجاوزة والمرجعية الكامنة بأخذ شكل صراع بين دعاة الإيمان بالإنسان المتجاوز للطبيعة، الذي يستند وجوده إلى نقطة خارج النظام الطبيعي من جهة. ومن جهة أخرى دعاة الإيمان بالطبيعة المادية التي تحوي داخلها ما يكفي لتفسيرها"(1).

sadraoui
مدير عام
مدير عام

عدد المساهمات : 254
نقاط : 31794
السٌّمعَة : 5
تاريخ التسجيل : 24/06/2009

http://belkassem.ahlamontada.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى